تأملات في العنف, لا سيما عنف أولئك الذين يفجّرون العراق

فالح عبدالجبار الحياة 2005/01/23
تعرفت على العنف, أول مرة, على الورق. لا يزال كتاب فرانز فانون “معذبو الأرض” بين كتب اخرى, تذكرة مفيدة. قدّم لنا الكتاب صورة عن دورة تاريخية للعنف بعيني طبيب نفساني, وزنجي – فرنسي, قام بمعالجات سريرية للظاهرة.


عند فانون القتل, وهو اجلى مظاهر العنف, يجري في دورة مكتملة: القتل المستبطن عند الضحايا العاجزين, فالقتل العشوائي بين الضحايا انفسهم, ثم القتل السياسي الموجه نحو الآخر (الأوروبي) في نوع من تفريغ سيكولوجي للعنف المستبطن, وهو ضرب من التنظيف الموازن, ان صح التعبير. قدم لنا فانون هذه الدورة بمثابة قدر وبمثابة خلاص. كانت الدورة محكمة, مترابطة, بل منطقية. تلك هي تجربة الجزائر.
مرة ثانية, تعرفت على العنف على الورق ايضاً, في نصوص تسجيلية من حرب فيتنام, ومن الفيتناميين الثوريين انفسهم. بحسب منطوق فانون, كان هؤلاء يلجون المرحلة الاخيرة, اي عنف التطهّر, تلك القناة التي تفرغ الخزين الجواني لرمي الثفالات الى البرّاني. لكن لأصحاب التجربة كان الوضع معاكساً تماماً. فبعد الفراغ من اطلاق العنف الحبيس, تحولت دورة القتل ذاتها, عند كثرة الى روتين يومي, حتى نمت إلفة غريبة مع هذا الروتين, بقوة التكرار, بل غدت حاجة, نوع من إدمان انسلخ عن حوافزه الاولى, اياً كانت درجة شرعيتها.
وتجد هذا الادمان نفسه عند قدامى المحاربين, الذين يقضون سحابة نهاراتهم الاخيرة متشبثين بأخوة المحاربين الكونية التي تعمدت بالدم, بلسماً يخفف عنهم توترات أرواحهم المنهكة. فهذه الارواح تتشوق الى توترات الحرب, ولا تزال ثفالاتها تبهظ ارواحهم التي لا تستطيع ان تتحمل سكينة المدنية وسكونها. فاللاعنف, عندهم, هو اللاحياة. فلسفة الوجود في نظرهم تقوم في اختزال بسيط للقتل.
في الحرب, يقولون, نحن لا نرتكب جريمة قتل (MURDER), بل نفتك (KILL) بالآخر. ويضيفون: نحن لا نريد ان نموت في سبيل وطن, بل نريد للآخر ان يموت في سبيل وطنه.
هذا الانموذج من القاتل – المحترف, القاتل – المدمن, القاتل – “الشرعي”, يعاد انتاجه على نطاق واسع ويومي. وتشترك في اعادة الانتاج ثلة من الاصناف, كتبة ووعاظ, سياسيون واعلاميون, جهلة ومتعلمون, من كل شاكلة ولون. اكتب هذا وقد امتلأت ذاكرتي بالمقابر, كان آخرها قبر صديق يدعى هادي صالح, نقابي يتحدر من الناصرية, أسمر, نحيف, يحمل بسمة دائمة, وفكرة واحدة: النقابة الحرة. وبفكرته هذه كان شذوذاً في عالم البعث العراقي, حيث الدولة التوتاليتارية, الماسكة بتلابيب الرائح والغادي, تربأ بأي فكرة خارج سيطرتها. فلا حرية سوى حريتها, ولا وجود سوى وجودها.
لم أفاجأ بقتله, فالخطف والقتل على الرأي والهوية هما (ولن اقول صارا) من تراث الدولة البعثية, وهو كما نرى تراث شمولي لا يزال ماثلاً, معمّداً بأسماء اخرى. ولم أفاجأ بأسلوب قتله. فقد كان هذا مجرد صفحة واحدة في مجلد القسوة البعثي – الاصولي.
زمرة من خمسة او اكثر اقتحموا دارته في بغداد: عصبوا عينيه, قيّدوا يديه وراء ظهره, وقيدوا قدميه. بعد هذا خنقوه بسلك معدني. لم يكتفوا بمشهد الشنق (أفلت هادي من حكم صدر عليه بالاعدام لممارسته العمل النقابي السري عام 1969), فأطلقوا زخات من الرصاص على جسده. وفي الموجة الثالثة من الحيوانية الكاسرة أحرقوا جسده.
ثلاثة اعدامات في جسد واحد, في آن واحد. طويت حزني عليه وعلى اصلاحه: اعادة تأسيس النقابات في العراق. ومع انني لست عاملاً ولا نقابياً, بل كاتب فردي حريص على بقاء فرديته, وجدتني مسوقاً بهذا الغضب العارم على اصحاب العباءة والخنجر, لأن ارسل برقية الى النقابة ألتمس فيها قبولي عضواً مؤازراً, لا لشيء إلا لأشهر محبتي للضحية. غير ان هذه الفاصلة الصغيرة من الأسى الذاتي, لن تعفيني, او تعفينا, من معاينة دورة العنف الجهنمية في العراق قبل الحروب, خلال الحروب, وبعد الحروب.
ثمة حلف شبه معلن بين ثلاث شخصيات غير درامية: القاتل المأجور, رجل الاستخبارات البعثي, والأصولي المتقد ورعاً. تجتمع في هذه الشخصيات ميول واحدة للابادة التي تتركز في معظمها على العراقيين.
القاتل الأجير في عراق اليوم هو في الاغلب الأعم جندي سابق, تعلم فن القتل, ومارسه بلا قيد على جبهات القتال, وعاد الى الحياة المدنية معدماً, بلا عمل, بلا أمل, بلا طائل. بحسب الارقام الرسمية بلغ عدد هؤلاء نحو 31 ألفاً, كانوا يقضون أحكاماً بالسجن المؤبد, او ينتظرون دورهم لارتقاء منصة الاعدام. أُخلي سبيل هؤلاء عشية الغزو, وعادوا الى المدينة في مافيات تملأ مساحات العالم السفلي.
في اعترافات أحدهم, التعاقد على الاغتيال مربح. تتولى المافيا الاختطاف, تقبض الثمن, وتسلم الخطيفة جثة هامدة. المقاول الاصولي يضيف لمساته: يبتر الرأس ويصور القتيل ويبث الصور على شبكة الانترنت, او يطبعها ويسلم الصور لثلة من أطفال تركوا مقاعد التلمذة ليعتاشوا على المهنة الجديدة: بيع الصور للجمهور! اما رجل الاستخبارات, فيترك لنا بطاقته الخاصة. بحسب الافلام الوثائقية المتبقية, كان جهاز الاستخبارات القديم يقوم, على غرار فرق الأس أس النازية, بتجريب أشكال شتى من الاعدام, بينها ما يشبه المشهد الختامي في “محاكمة” كافكا: الضحية (شاب في العشرين على الاغلب) تقف في اخدود على كتف تلة, وهو مقيد اليدين, يأتي المنفذ (لا نرى منه سوى قفاه) ليربطه بجهاز تفجير عبوة ناسفة حزمت على الخصر. تبتعد عدسة الكاميرا, يكبس اصبع على الزر, ويتطاير الضحية اشلاء.
في كل مشاهد الاعدام هذه, وغيرها, يتلذذ المنفذ بايقاع اقسى آيات العذاب, واستكشاف اشكال جديدة من التعذيب, شأن مدمن يبحث عن مخدر اقوى فعلاً. وأعجب ما في هذه الوثائق تلك الاستكانة وذلك الصمت اللذان يبدوان على الضحية. وأخيراً ثمة الاصولي الورع. يعرف البغداديون هؤلاء الآتين في السيارات المفخخة, من صرخاتهم. فقبل لحظات من التفجير الانتحاري يطلق السائق الاصولي صيحات التكبير في صوت يشي بخليط من ارتعاشات الخوف والرهبة. الواقع ان هذا التكبير المرتجف أقرب الى الهلع منه الى الاقدام. مرة خاب فأل الانتحاري ولم تنفجر العبوة, فهرب من السيارة المفخخة الى حارة قريبة. طارده المارة وأوسعوه ضرباً قبل ان تنقذه الشرطة من غضب الجمهور. كان مذعوراً من رأسه حتى أخمص قدميه.
يحلم هذا الاصولي بالصعود من بين حطام السيارة وأشلاء ضحاياه الى الفردوس, لينعم بأحضان حورية يفتقدها في بؤس حياته الارضية. الواعظ يعده بهذه الخاتمة, والفتاوى تؤكد له هذا المآل, على رغم ان السؤال الحارق هو إن كان المفتي عالماً بالغيب, او إن كان هو نفسه قادراً على ان يضمن لنفسه شبراً في الجنة.